الشيخ الأنصاري

185

مطارح الأنظار ( ط . ج )

رأيهم بعد الاجتهاد . وليس المراد أنّ الغسل السابق صار سببا حينئذ ، بل سببيّته تحقّقت أوّلا ، ولكن لم يكن هذا الشخص داخلا في عنوان « من تحقّقت في حقّه السببيّة » ، ودخل فيه حينئذ ، كما أنّ من وقف شيئا على ضيفه فصار شخص بعد مدّة ضيفا له ، فإنّ الوقفيّة عليه لا تتحقّق حينئذ ، بل الدخول في العنوان تحقّق في هذه الحالة . وعلى هذا فلا أثر للاستصحاب المذكور ؛ لثبوت السببيّة في حقّ من دخل في هذا العنوان ، ولأنّ عدم السببيّة أوّلا كان لمن دخل في عنوان آخر ، فقد تغيّر الموضوع . وأمّا الإجماع المذكور فاختصاصه بالأوّل ظاهر ، بل يمكن دعوى الإجماع على النقض في الثاني . وكذا الحال في غير هذا المثال « 1 » ، انتهى ما أفاده في توضيح المقام . وأنت بعد ما عرفت من مبنى النقض وعدمه تعرف مواضع الفساد في هذه الكلمات . ولا بأس بالإشارة إلى بعض وجوه النظر فيه : فنقول : أمّا ما أفاده أوّلا : « من أنّ الأسباب الشرعيّة وشرائطها وموانعها لها حقائق واقعيّة وحقائق ظاهريّة » فهو ممّا لا يطابق الواقع ؛ إذ ليس الطرق الشرعيّة إلّا مثل الطرق التي يستعملونها العقلاء والعرف في استكشاف مقاصدهم واستظهار مطالبهم ؛ فكما أنّ المسترشد من الطريق الموصل إلى بلد ، لو اتّكل في سلوك سبيله إلى قول من يورث له الظنّ بالطريقيّة والوصول إلى ذلك البلد ، لا يعقل له القول بأنّ ما يوصل إلى ذلك البلد له حقيقة واقعيّة وحقيقة ظاهريّة ، فكذلك في الطرق الموصلة إلى الأحكام الشرعيّة ، فإنّ كلّها يكشف عن تلك الأسباب الواقعيّة والأحكام الموجودة في نفس الأمر المخزونة عند أهلها .

--> ( 1 ) مناهج الأحكام : 288 .